الشوكاني
41
فتح القدير
ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علمها الله ذلك وألهمها إليه ، إلا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية ، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه وعظيم شأنه ، كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة له ( والله عليم بما يفعلون ) هذه الجملة مقررة لما قبلها : أي لا تخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم ، ويجوز أن يكون الضمير في " علم " لله سبحانه : أي كل واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له وتسبيحه إياه والأول أرجح لاتفاق القراء على رفع كل ، ولو كان الضمير في علم لله لكان نصب كل أولى . وذكر بعض المفسرين أنها قراءة طائفة من القراء علم على البناء للمفعول . ثم بين سبحانه أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ( ولله ملك السماوات والأرض ) أي له لا لغيره ( وإليه المصير ) لا إلى غيره ، والمصير : الرجوع بعد الموت . وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع . ثم ذكر سبحانه دليلا آخر من الآثار العلوية ، فقال ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ) الإزجاء : السوق قليلا قليلا ، ومنه قول النابغة : إني أتيتك من أهلي ومن وطني * أزجى حشاشة نفس ما بها رمق وقوله أيضا : أسرت عليه من الجوزاء سارية * يزجى السماك عليه جامد البرد والمعنى : أنه سبحانه يسوق السحاب سوقا رقيقا إلى حيث يشاء ( ثم يؤلف بينه ) أي بين أجزائه ، فيضم بعضه إلى بعض ويجمعه بعد تفرقه ليقوى ويتصل ويكثف ، والأصل في التأليف الهمز . وقرأ ورش وقالون عن نافع " يولف " بالواو تخفيفا ، والسحاب واحد في اللفظ ، ولكن معناه جمع ، ولهذا دخلت بين عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له . قال الفراء : إن الضمير في بينه راجع إلى جملة السحاب ، كما تقول الشجر قد جلست بينه ، لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ ( ثم يجعله ركاما ) أي متراكما يركب بعضه بعضا . والركم : جمع الشئ ، يقال ركم الشئ يركمه ركما : أي جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشئ وتراكم إذا اجتمع ، والركمة : الطين المجموع ، والركام : الرمل المتراكب ( فترى الودق يخرج من خلاله ) الودق : المطر عند جمهور المفسرين ، ومنه قول الشاعر : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها وقال امرؤ القيس : فدفعهما قد ودق وسح وديمة * وسكب وتوكاف وتنهملان يقال ودقت السحاب فهي وادقة وودق المطر يدق : أي قطر يقطر ، وقيل إن الودق البرق ، ومنه قول الشاعر : أثرن عجاجة وخرجن منها * خروج الودق من خلل السحاب والأول أولى . ومعنى ( من خلاله ) من فتوقه التي هي مخارج القطر ، وجملة ( يخرج من خلاله ) في محل نصب على الحال ، لأن الرؤية هنا هي البصرية . وقرأ ابن عباس وابن مسعود والضحاك وأبو العالية " من خلله " على الإفراد . وقد وقع الخلاف في خلال ، هل هو مفرد كحجاب ؟ أو جمع كجبال ؟ ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) المراد بقوله من سماء : من عال ، لأن السماء قد تطلق على جهة العلو ، ومعنى من جبال : من قطع عظام تشبه الجبال ، ولفظ فيها في محل نصب على الحال ، " ومن " في من برد للتبعيض ، وهو مفعول ينزل . وقيل إن المفعول محذوف ، والتقدير : ينزل من جبال فيها من برد بردا . وقيل إن من في من برد زائدة ، والتقدير : ينزل من السماء من جبال فيها برد . وقيل إن في الكلام مضافا محذوفا : أي ينزل من السماء قدر جبال ، أو مثل جبال من برد إلى الأرض . قال الأخفش : إن من في من جبال وفي من برد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع